الأخبار
هل بإمكان رجل أعمال مليونير إنقاذ سُّنة العراق؟
June 02, 2016

هل بإمكان رجل أعمال مليونير إنقاذ سُّنة العراق؟

بقلم : ند باركر

أربيل، العراق(رويترز)

لمدة عقد من الزمن على الأقل، عمد قطب رجال الأعمال العراقيين خميس الخنجر إلى تمويل السياسيين السُّنة والمقاتلين على حد سواء. في الوقت الحاضر يريد ان يستخدم ما لديه من ثروته التي تُقدّر بملايين الدولارات لإنشاء منطقة حكم ذاتي للسُّنة في العراق.

ظهور الخنجر من خلف الكواليس من صانع للصفقات إلى بطل سُّني هي علامة واحدة فقط من علامات الإنجراف السياسي المستمر في العراق.

لقد تعثّرت في الغالب جهود رئيس الوزراء حيدر العبادي لتحقيق المصالحة بين السُّنة والشيعة  في العراق ، على الرغم من زيادة إنخراط الولايات المتحدة في العراق. فغالبا ً ما تكون الأحزاب والميليشيات الشيعية أكثر تركيزا ًعلى الصراع الداخلي فيما بينهم على السلطة، من التوسّط لتحقيق تسوية سياسية مع السُّنة. ولطالما أبلغت العشائر السُّنية المسؤولين الأمنيين والسياسيين بأنهم تحت رحمة كلا ً من المجموعة السُّنية المتطرفة الدولة الإسلامية والميليشيات الشيعية على حد سواء.

يقول الخنجر ومقره في دبي انه يقدم بديلا ً : إتحادا ً فيدراليا ً حيث يمكن للسُّنة والشيعة والأكراد إدارة مناطقهم الخاصة من البلاد دون الحاجة إلى تقسيم البلاد رسميا ً. يُبين الخنجر وشركاء في تحالفه ، إن من شأن إقليم فيدرالي سُّني الفوز بمليارات من الإستثمارات من دول الخليج العربية وتركيا.

في خطاب بثه التلفزيون الأسبوع الماضي، أعلن الخنجر، وهو مواطن من مدينة الفلوجة المُحاصرة ، عن نيته تشكيل وفد للتحقيق في عمليات " قتل خارج نطاق القضاء"، و"هدم ونهب الممتلكات" وغيرها من الإنتهاكات المزعومة لحقوق الأنسان، تقوم بها ميليشيات شيعية في الفلوجة.

ويشير الخنجر الى أن " الحكومة العراقية تمنح المليشيات غطاءاً سياسياً وتتغاضى بشكل مستمر عن انتهاكات حقوق الأنسان التي تحدث بطريقة منُظمّة".

 وتنكر الحكومة بإستمرار تورط القوات الحكومية في أعمال القتل والإختطاف وتقول إنها تعمل بجد على أعتقال العصابات الأجرامية وراء مثل هذه الأعمال.

خلال العام الماضي، قام الخنجر، أحد أقطاب المال وهو رجل طويل القامة، يُقدّر طوله بحوالي ستة أقدام، يتنقل محاط بصخب مساعديه ومتعاقدين أمنيين تابعين لشركة أمنية بريطانية خاصة ، بسلسلة زيارات الى شمال العراق. وقد أقتصرت زياراته على كوردستان لأنه لايأمن على حياته من خطر الدولة الأسلامية والقوات المدعومة من قبل ايران في أجزاء أخرى من البلاد .

كما يقوم الخنجر بدفع مبلغ قدره 65.000 دولار شهريا الى مكتب لإدارة الحملات مقره واشنطن ويديره موظفون سابقون مع الرئيس السابق كلينتون في البيت الأبيض، لتعزيز قضيته في الولايات المتحدة.

ويسخرقادة الشيعة الحاكمون في العراق من الخنجر ويعتبرونه شخص إنتهازي يعمل على زعزعة الاستقرار في العراق. حيث وصف عضو البرلمان عن حزب الدعوة جبار العبيدي، دعوة الخنجر للحكم الذاتي بأنها "دعوة إلى تمزيق العراق".

كما ويصفه خصومه من السُّنة بأنه يروج لمصالحه الذاتيه و يتهمونه بأنه يضع رغبته في النفوذ فوق مصلحة استقرار العراق.

تكمن ميزة الخنجر في ثروته ، الامر الذي ساعده على تمويل التحالفات السياسية، الإنتفاضات القبلية والاحتجاجات التي اجتاحت البلاد. وقد حاول السياسيون السُّنة والشيعة التودد له على حد سواء، بما في ذلك قسم من اولئك الذين إستهانوا به.

ويشير دبلوماسي أمريكي سابق الى أن ثروة الخنجر الضخمة وعلاقاته الوثيقة مع دول الخليج وتركيا حولته الى لغز وقوة دائمة في السياسة العراقية.

وأضاف الى أن " الخنجر يلعب على كل الحبال لتحقيق مكاسب لنفسه". والسؤال الذي يطرح نفسه بحسب احد المسؤولين الأمريكيين " فيما اذا كان يسعى جاداً من وراء نفوذه الى تحقيق مصالح بلاده، أم انه يعمل فقط الى حماية وتوسيع شبكة مصالحه ؟ أم أن ذلك كله مجرد لعبة رجل ملياردير؟"

الإجابة على هذه التساؤلات ذو قيمة كبيرة، لأنه على مدار العقد الماضي أدت الإغتيالات التي قامت بها الدولة الإسلامية والميليشيات الشيعية، والصراع السياسي الداخلي، إلى غربلة القيادات السُّنية  الناشئة.

أما علي الخضيري، وهو ديبلوماسي أمريكي سابق عمل في بغداد من عام 2003-2010، فقال" أن الخنجر واحد من السُّنة القلائل الذين يمتلكون رؤية، فكر ومال ولا يزال صامداً وأن كان ليس مثاليا في بلد دمره العنف والطائفية والفساد ".

يحفل تاريخ الخنجر بالكثير من الجدل، حيث يقول عنه مقاتلون سُّنة سابقون في العراق بأنه ساعد في تمويل حركات التمرد المناهضة للولايات المتحدة التي بدأت بعد وقت قصير من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003. ويضيفون بأنه عمد في وقت لاحق إلى تمويل انتفاضة القبائل السُّنية المؤيدة للولايات المتحدة عام 2006 والتي ساعدت في تدمير تنظيم القاعدة في العراق، التنظيم الأصلي للدولة الأسلامية .

ويشير الخنجر الى انه ساعد في عام 2010  في تأسيس واحدة من أهم كتلتين سياسيتين رئيسيتين، والتي شاركت في الانتخابات العراقية. كما ساهم في تمويل الإحتجاجات التي اجتاحت المناطق السٌنية ضد حكومة بغداد في السنوات الثلاث اللاحقة.

ويصفه عزت الشابندر، وهو سياسي شيعي تولى عملية التفاوض مع الخنجر أثناء عملية تشكيل الحكومة العراقية عام 2010، بأنه قطب مالي كان على الاحزاب الشيعية إجراء محادثات معه في وقت سابق من هذا العقد، فقد "كان لديه السلطة والثروة"، وفقاً الشابندر، ولكن الشابندر يحذر من أن ظهور الدولة الإسلامية سيجعل من الصعب على الخنجر أن يكون "الرجل القوي" المنقطع النظير للسُّنة اليوم.

هذا وتقدرالقيمة الصافية لثروة الخنجر بمئات الملايين من الدولارات. وتشمل موجودات في مجالات التصنيع، والخدمات المصرفية والخدمات المالية والعقارات التجارية والسكنية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وأوروبا وشمال أفريقيا.

يقول منتقدوه ، من الجماعات المتمردة السابقة إلى ضباط المخابرات العراقية ، بأن عائلته أسست ثروتها من خلال إنشاء شركات وهمية لأعضاء نظام صدام حسين في التسعينات، وهم يتهمون الخنجر بالاستيلاء على أموال شركائه لنفسه بعد غزو العراق عام 2003، غير أن الخنجر ينفي هذه الإتهامات.

وعند سؤاله عن قيمة ثروته، أجاب الخنجر ضاحكاً :" إن الله كان كريماً جداً معي".

صندوق باندورا؟

في وقت سابق من هذا العام، سافر الخنجر الى كوردستان العراق في زيارة تفقدية الى 14 مدرسة وثلاث عيادات أنشأها لمساعدة السُّنة النازحون من منازلهم ومن جميع أنحاء العراق والذي يقدر عددهم بحوالي المليون.

 في إحدى هذه الزيارات، ظهر الخنجر بحلة أنيقة داكنة اللون، وقد كان في إستقباله العشرات من الأطفال السُّنة ، يرتدون زياً مدرسياً موحّداً أزرق وأبيض. في أثناء الزيارة ألقت طفلة قصيدة امتدحت فيها بتفاني الخنجر واصفة إياه بأنه منُقذ العراق من الصراع الطائفي. أجاب الخنجر مبتسماً وقد طوى كفيه ، قائلاً: يجب على السُّنة في العراق محاربة كل من أرهابيي الدولة الإسلامية والميليشيات الشيعية المدعومة من الحكومة العراقية.

"نحن متجهون الى سُّنستان دموية وبلا حدود، اذا لم تتخذ الحكومة العراقية إجراءات فورية لمعالجة حقوق السُّنة ،" أخبر الخنجر رويترز لاحقاً " إنه بمجرد تجاوز هذا الحد، لن يعود بإمكان اي شخص حكيم- سواء أنا شخصياً أو اي شخص آخر- ان يغلق صندوق باندورا".

ويجادل الخنجر بأن انشاء منطقة فيدرالية على غرار إقليم كردستان شبه المستقل في العراق، سيمنح السُّنة حقوقهم وسيساعدهم على محاربة الدولة الإسلامية.

كما أن الدستور العراقي يعطي الحق للمحافظات في إقامة منطقة فدرالية. وقد حاولت المحافظات السُّنية انشاء منطقة فدرالية لمرتين ولكن المحاولات جوبهت بالرفض من قبل رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي. أما العبادي الذي تولى منصب رئاسة الوزراء خلفاً للمالكي في السنتين المنصرمتين، فقد أظهر ترحيباً لمبدأ توسيع السلطات المحلية، ولكنه متردد في دعم حملة تطالب باقامة شكل فدرالي أوسع.

وللدفع قدماً بتحقيق هذا الهدف، عمد الخنجر الى التنسيق لضم حلفاء سياسين أقوياء من السُّنة من بينهم محافظ الموصل السابق، أثيل النجيفي، ووزير المالية السابق رافع العيساوي. كان مسؤولون امريكيون يرون في العيساوي قائد سُّني معتدل قبل أن تصدر بحقه مذكرة إعتقال مثيرة للجدل بتهمة الأرهاب من قبل رئيس الوزراء السابق، المالكي.

وأعرب الخنجر وحلفائه عن تذمّرهم من إدارة الرئيس أوباما التي جمدّت مسعاهم، فضلاً عن أنهم يقولون بأن المسؤولون الأمريكين يشككون في جدية شكوانا حول فشل الحكومة العراقية في جهود المصالحة مع السُّنة وفي معالجة الانتهاكات التي تقوم بها قوات الميليشيا الشيعية.

وأضافوا بأن حكومة الولايات المتحدة  كانت قد رفضت أصدار تأشيرات سفر إلى الولايات المتحدة لكل من العيساوي والنجيفي وذلك على خلفية زيارة الأثنين لواشنطن في ربيع العام الفائت حيث أنتقدا فيها الحكومة العراقية.

وقد نفى السفير الامريكى فى العراق، ستيوارت جون، وجود سياسة متعمدة لإبقاء الرجلين بعيداً عن واشنطن، بيد أنه أمتنع عن الإدلاء بأية تفاصيل حول أسباب رفض تأشيرات الدخول، قائلاً أن الحديث عن قضايا تأشيرات السفرالفردية، ضد السياسة العامة لوزارة الخارجية.

واضاف انه " ليس لدى سفارة الولايات المتحدة مصلحة في إسكات الأصوات العراقية في واشنطن العاصمة أو في أي مكان آخر"، وأردف " ولا نمتلك القدرة على فعل ذلك".

هذا ويرفض المسؤولون الأمريكيون التحدث علناً عن الخنجر.

وقد سعى الخنجر إلى توظيف ثروته في واشنطن لمعالجة مساعيه التي وصلت الى طريق مسدود مع الولايات المتحدة. ففي أيلول من عام 2015 وظف الخنجر مجموعة كلوفر بارك Glover ParkGroup، شركة ضغط يديرها مديروا حملة الرئيس الديمقراطي الأسبق كلنتون في البيت الأبيض. وقد أفتتح مكتب في واشنطن.يقف على رأس  جهازالإعلام في المكتب، المتحدث الأسبق بأسم سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سامانثا باور .Samantha Power

ويستطرد الخنجر" لدينا علاقات واسعة مع الإمارات العربية المتحدة ، قطر، المملكة العربية السعودية، وتركيا"، وفي الوقت الذي يؤكد فيه الخنجر على وطنيته، الا أنه يحرص  في الوقت ذاته على " إستثمار هذه العلاقات".

فإن النجيفي يشدد على حرصه على تأمين الدعم التركي للمشروع السُّني الفدرالي.

ويعمد كلاهما على تأسيس قوات شبه عسكرية لمحاربة الدولة الإسلامية. حيث يبين النجيفي بأن قواته تضم حالياً 4000 رجل من محافظة نينوى يتلقون التدريب من قبل تركيا. في حين يذهب الخنجر الى أنه يموّل 2400 رجل يقاتلون الدولة الأسلامية خارج الفلوجة. وزعم أنه عمد إلى تجنيد 4000 رجل على  أهبة الأستعداد للتدريب.

ويصرالخنجرعلى أن مسعاه هذا يصب في مصلحة بلاده وليس من أجل مصالحه الشخصية، مضيفاً الى أن " أي شخص يود أن يرى بلده آمناً مستقراً" وأردف بالقول  " لو كان العراق آمناً ومستقراً، لما فكرت في الخوض في السياسة".

 (شارك في التغطية ستيفن كالين وأحمد رشيد من بغداد، وقام بمراجعة المقال سيمون روبنسون وديفيد رود).

 

شارك على: